إخوان الصفاء
55
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الجسمانية إنما هي من خروج الألم ، فهو خروج من الاعتدال إلى أحد الطرفين إما إلى زيادة أو إلى نقصان ، أو من حر إلى برد ، أو من برد إلى حر ، أو من حركة إلى سكون ، أو من سكون إلى حركة ، أو من جوع وعطش ، إلى شبع وريّ ، أو من شبع وريّ إلى جوع وعطش . وعلى هذا المثال والقياس يوجد حكم سائر اللذات والآلام الجسمانية . وذلك أن الذي تجده النفس من اللذة بالنظر إلى محاسن الموجودات ، أو بالاستماع للنغمات ، والشم للروائح الطيبات ، واللمس للملموسات ، فهي كلها تكون بحسب مشاكلات المزاج الموافقات ، وألمها بحسب المخالفات المتضادّات ، وذلك أن كل محسوس يخرج مزاج الحاسّ من الاعتدال ، فإن الحاسّة تتألم منه وتكرهه ؛ وكل محسوس يردّ الحاسّ إلى الاعتدال والمزاج الطبيعي ، فإن الحاسّة تلتذ به وتحبه وتحنّ إليه . فإذا تأملت يا أخي ما ذكرنا ، علمت وتبين لك بأن هذه الآلام واللذات الجسمانية إنما جعلت لنفوس الحيوانات عند خروج مزاج أجسادها من الاعتدال ورجوعها إلى الاعتدال ، لكيما تدعوها تلك الآلام إلى حفظ أجسادها وصيانة هياكلها من الآفات العارضة لها ، وتحثّها تلك اللذات على طلب جرّ المنفعة إليها أو دفع المضرّة عنها ، إذ كانت الأجساد أجسادا أمواتا لا تقدر على دفع مضرّة عنها ولا جرّ منفعة إليها ، ولا تحترز من الأشياء المهلكة لها أو المخرجة لمزاجها من الاعتدال . والدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا ، أن الأجساد لا تقدر على دفع مضرّة ولا جر منفعة ، ما نرى من حالها عند مفارقة نفوسها مستسلمة إلى المهلكات مما لا خفاء به من حال جثة الموتى . فأما اللذات والفرح والسرور الذي تجده عند وجدانها ومنافعها ومحبوباتها ، وما تجده من الشفقة والتحنن على صغار نتاجها ، وما يعرض من الغم والهمّ عند فقدانها ، أو ضرر ينالها ، فكل ذلك حثّ للنفوس على صيانة الأجساد